‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفسير علم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفسير علم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 أغسطس 2018

هل تفسير نبي الله يوسف للأحلام من علمه بالتعبير أم من الوحي



هل تعبير يوسف عليه السلام 

للمنامات من علمه بالتعبير أم من علم الوحي



باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد :

لايختلف أهل الفن في حدود علمي أن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف عليه صلوات الله وأتم التسليم إماماً في الشأن وأن تعبيره للمنامات من علمه بها وليس من الوحي ؛ لأننا لو قلنا : إن تعبيره لها من الوحي فقد سلبنا منه وصف العلم بالتعبير ، وإن كان الوحي هو أعلى مقامات العلم ولكن علم التعبير يقوم على التأويل
ولكنهم اختلفوا في تفسيره لجزئية من رؤيا عزيز مصر وهي قوله : { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } فمنهم من قال : هو من تفسير الرؤيا ، ومنهم من قال : بل هو شيء زائد عن الرؤيا فهو من علم الغيب تلقاه من الوحي !!
والجواب على هذا النزاع أن نقول : الخلاف في ذلك قديم عند علماء تفسير الآيات قبل متفنني تفسير المنامات ، فذهب البعض أن ذلك من علم الغيب وليس من تفسير الرؤيا ومنهم الطبري والقرطبي والنيسابوري والثعلبي وأغلبهم اعتمدوا قول قتادة في ذلك ، وربما غيرهم ممن لم نقف على قولهم !!
ولكن من حقي كـ طالب علم أولاً ، وكمعبر معتزل للأحلام ثانياً أن أرجح دون تعصب وأقرر ما ظهر لي بوضوح دون تقلب ، فأقول : الراجح أن هذا من تفسير الرؤيا وليس من علم الغيب ، وأبين أن هذا ظهر لي من عدة وجوه وليس من وجه واحد فقط وهي :

الوجه الأول : من قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } فقوله : { يجتبيك } أي : يصطفيك ويختارك ، دل على أن علم يوسف في التأويل ليس كعلم غيره فيه ، ولهذا تحتار العقول في ادراك مبلغه في هذا العلم وكيف توصل لما لايتوصل له غيره من أهل الفن مهما بلغوا من العلم ؛ فالمعبرون يشتركون معه في أصل الصنعة ولكنه ينفرد عنهم بكمالها وعميق أسرارها ؛ فهو تعلمه من الله تعالى وليس من كتب المعبرين ولا من النظر في أحوال العرف والقياس وطبائع الخلائق وغيرها

الوجه الثاني : أن عزيز مصر سأل عن رؤيا فالمعروف بديهة أن الجواب إنما يكون تعبيرها ، فكيف نقول : إن الجواب لم يكن تعبيراً وإنما وحياً !! أو أن بعضه تعبيراً وبعضه وحياً ؟ مع أن المتقرر أن جواب الرؤيا هو تعبيرها

الوجه الثالث : قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } فقال : { أنا أنبئُكم بتأويله } أي : أن الجواب سيكون تأويلاً للرؤيا وليس من غير ذلك وأقره الله تعالى وليس ي القرآن ما يدل أنه ليس تأولاً لها

الوجه الرابع : قول يوسف عليه السلام : { رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } فذكر تعليم الله تعالى له علم التعبير بعد ذكره لحصوله على الملك الذي حصل بعد خروجه من السجن ؛ دل أن تعبيره للرؤيا هو السبب الرئيسي لخروجه من السجن وحصوله على الملك . إذا فهو تعبير وليس وحي وهذا استنتاج

الوجه الخامس : أن قول الذين قالوا إنه من الوحي وليس من التعبير عللوا ذلك أنه جاء بشيء زائد ليس في الرؤيا !! والجواب : أن من علم حجة على من لم يعلم ؛ فالحقيقة أن هذا القول منه عليه السلام إن لم يكن موجوداً في الرؤيا فهو موجودٌ في تأويلها ففرق بين الرؤيا وبين تأوي الرؤيا !! بل وهو مأخوذ منها وبشكل واضح أيضاً !! فالعبرة بقول من ظهر له وليس بقول من خفي عنه ؛ لأن الذي ظهر له ذلك عنده زيادة علم خفي على من لم يظهر له ذلك ؛ والمتقرر في علم الأصول أن المثبت مقدم على النافي ؛ لأن المثبت يقول : أعلم ، والنافي يقول : لا أعلم . أو بعبارات لها نفس المؤدى .

فإن قلت : وأين نجد قول الكريم يوسف عليه الصلاة وأتم التسليم : { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } فالجواب : أن الرؤيا اقتضت أن أعوام القحط سبعة فعلم أن العام الثامن عام خصب ؛ لأنه لايصح نقلاً ولا عقلاً أن يقول لهم : { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } ويكون العام الثامن أيضاً من أعوام الشدة ؛ فحصر الشدة في السبعة الأعوام المأخوذة من السبع البقرات العجاف قرينة قوية عند أهل الفن أن انتهاء المدة الشديدة دلالة أنه يعقبها دخول مرحلة جديدة معاكسة لذلك
فإن قلت : كلامك مقنع ولكننا لانقبله حتى تستند فيه لأقوال أهل العلم ؛ فإننا لا نقبل القول في القرآن إلا من العلماء ؟ قلت : وهل بنيت قولي إلا على قولهم وأسندت ظهري إلا على رشدهم فمنهم أخذت وطورت فكرتي على أساس حروفهم وهاكم أقوال لعلماء الذين قالوا بهذا القول الذي ندين به :

قال الإمام البقاعي رحمه الله في "نظم الدرر" ( 4 / 53 ) :
وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل ، والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد القحط ، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة اهـ

وقال العلامة البيضاوي رحمه الله في "أنوار التنزيل" ( 1 / 292 ) :
ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب والخصب أو بأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده بعدما ضيق عليهم اهـ

وقال العلامة المحقق السعدي رحمه الله في "تيسير الكريم الرحمن" ( 1 / 399 ) :
ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب ، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك ؛ لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد أن العام الذي يليها يزول به شدتها ، ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات ، إلا بعام مخصب جداً ، وإلا لما كان للتقدير فائدة ، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس ، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا ، عجبوا من ذلك وفرحوا بها أشد الفرح اهـ

وقال العلامة السعدي أيضاً في رد هذا القول في "تيسير اللطيف المنان" ( صـ / 475 ) :
فإن بعض المفسرين قال : هذه زيادة من يوسف في التعبير بوحي أوحي إليه . فالجواب : ليس الأمر كذلك ، وإنما أخذها من رؤيا الملك ، فإن السنين المجدبة سبع فقط ، فدل على أنه سيأتي بعدها عام الخصب ، كثير البركات ، يزيل الجدب العظيم الحاصل من السنين المجدبة التي لا يزيلها عام خصب عادي ، بل لا بد فيه من خصب خلاف العادة ، وهذا واضح وهو من مفهوم العدد اهـ

وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله في "التحرير والتنوير" ( 12 / 287 ) :
وأما قوله : { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس } فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس ، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر اهـ
وقال العلامة عبدالرحمن البراك في "شرح التدمرية" ( صـ / 214 ) بعد أن ذكر الآيات من أولها إلى قوله : { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يعصرون } قال : فهذا الكلام تفسير للرؤيا اهـ

فصل : شبهة واجبها
فإن قال قائل وماذا عن قول النيسابوري ( 4 / 369 ) :أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال . وأيضاً في قوله : { وفيه يعصرون } نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي اهـ
الجواب : نرد عليه من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن ذلك فعلاً لا يلزم ولكنه قد يحصل ولا مانع من ذلك ، وأن يوسف رجح الخصوبة لزيادة علم في هذا الفن ليس عند غيره إلا أن يكون نبي مثله

الوجه الثاني : أنه لماذا لانقول أن انتهاء السبع مبشرة بعودة الأمور كما كانت وهذا وضع عادي ليس فيه مبالغة بالخصب ، ثم ننظر كيف كان الوضع قبل السبع الشداد ؟ والجواب : كان سبع في غاية الخصوبة حتى أنهم ادخروا منها ما كفاهم لسبع بعدها وكان الناس يأتون من أماكن بعيدة ليأخذوا حصصهم منها ؛ أنتج أن التفسير بعودة المياه لمجاريها وعودة الأمور كما كانت قبل السبع الشداد معناه الدخول بعام قوي الخصوبة

الوجه الثالث : أنه لاغرابة من التفصيل في باب التعبير فهو علم عميق المدى فكيف والمعبر هنا نبي كريم تلقى علم التأويل عن الله تعالى ، وهذا على فرض وجود التفصيل وإلا فالقول بوجود التفصيل مجرد ترجيح للاختلاف في قوله { وفيه يعصرون } فمن رجح أنه من عصر العنب أو الزيت رآه من نوع التفصيل على أنه قد يكون من باب رجوع الأمور لما كانت عليه كما في قوله : { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } فهذا هو حالهم الأصلي ، ومع ذلك فالكثير فسروا { يعصرون } بنزول المطر ؛ لأنه قال : { فيه يغاث الناس } ولقوله تعالى : { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً } أي ماء ثجاجاً
وللعلامة المناوي تفسير عجيب للعصر هنا فقال :
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" ( 4 / 295 ) : ( صلاة الوسطى صلاة العصر ) أي : الصلاة الفضلى هي العصر من قولهم للأفضل : أوسط ؛ وذلك لأن تسميتها بالعصر مدحة من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها  { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الحارة وغسق الليل ، ولتوسط الأحوال والأبدان بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم لحاجة الغداء ولتصادم ملائكة الليل والنهار فيها اهـ

الوجه الرابع : راجع كلام علامة القصيم الشيخ السعدي رحمه الله الذي سبق بدقة وإمعان ففيه زيادة توضيح وتبيان

فصل : في قول يوسف عليه الصلاة والسلام : { قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي }
استدل بها البعض على أن تفسير الكريم يوسف عليه الصلاة وأتم التسليم من قبيل الوحي وليس من ذات الرؤيا المنامية ، وقبل الجواب على أحب أن أنبه بقاعدة مهمة جداً وهي أن وجود الخلاف بين العلماء لايعني التسليم التام لقول طرف منهم ؛ فقد قال تعالى : { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } فوجود الخلاف لايعني احقاق قول وابطال آخر بمجرد التعصب أو الميل لقول دون آخر !! بل لابد من التحقيق والترجيح
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية هل هذا التنبيء من أمور الغيب أم يقصد به أنه عرف ذلك من رؤياهما وقد ذكر الخلاف جماعة من العلماء ومنهم الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ( 1 / 237 ) والمختار هو الثاني ؛ لسببين اثنين :
الأول : أن الرجلان قصا عليه رؤاهم المتضمنة للطعام والشراب فأحدهما رآى الخبز والآخر رآى الخمر ، وبعد أن قصا عليه رؤاهم قال لهما : { يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } فالسياق سياق الحديث عن الرؤيا فما دليل من قال إن ذلك في اليقضة ؟
الثاني : أنه قال لهما : { ذلكما مما علمني ربي } فنحن نقول : هذا العلم هو تأويل المنامات والدليل قوله : { رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } وقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } ومن قال : إنه علم آخر فليخبرنا ماهو ومن أين عرف ذلك .
ومن هنا قال العلماء في تفسير الآية : قوله : { يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } أي : في النوم { إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } أي : في اليقظة ، وقيل في تفسيرها أن هذا في اليقضة مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال : { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } قاله الحسن والرازي وغيرهم
ورجحنا القول الأول للسببين المتقدمين وممن رجح ذلك المفسر الشربيني في "السراج المنير" ( 2 / 87 ) والطبري ( 16 / 100 ) والسدي وابن إسحاق ، والماوردي في "النكت والعيون" ( 3 / 3 / 37 ) وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" ( 13 / 290 ) و ( 17 / 365 ) والقرطبي ( 9 / 191 ) والشيخ محمد ين عبدالوهاب كما في "الدرر السنية" ( 19 / 247 )

هذا ما انتهى إليه فهمي وساقه قلمي في هذه المسألة وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت للصواب وأحسنت الجواب
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين


كتبه أخوكم
أبو العباس أنور بن محمود الرفاعي
15 – ذي الحجة – 1439 هـ

الخميس، 2 مارس 2017

هل تفسير الاحلام علم أم فراسة [ 1 ]


هل تفسير الاحلام علم أم فراسة ؟ ؟
الحلقة الأولى  

رأيت الكثير من الجدل حول هذه المسألة ومن هنا أحببت أن أدلي بدلوي فيها فنسخت ولصقت لكم مقالا من كتابي ( آلات وأدوات تفسير المنامات ) عل الله تعالى أن ينفع به فأقول : 


أولا : الترجيح 
الذي يترجح أن تفسير الأحلام علم للأدلة التالية :

1⃣ الدليل الأول : 《 وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث 》
2⃣ الدليل الثاني : 《 وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ 》
3⃣ الدليل الثالث : 《 رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث 》 

هل تفسير الاحلام علم أم فراسة [ 2 ]




المركب التام


في علاقة الفراسة بتفسير الأحلام

وهل يمكن تعَلُمَهُ أم أنه مجرد إلهام

؟!!
____________



وبعد نشري للبحث السابق –المختصر- في بعض الشبكات تلقيت من بعض المفسرين الكيل من الشتام وشيء من الاتهام فأردفته بهذه الرسالة وهي : "المركب التام .. " وقد حظيت بالقبول عند البعض ، ولم تحظ به عند البعض الآخر فقلت فيها :
أولاً : مقدمة الموضوع :
كنت قد كتب رسالة عنوانها : [ هل تفسير الأحلام علم أم فراسة ] خلصت فيها لما أراه صواباً بمقتضى الدليل ومنتهى التعليل
وقد أنكر علي بعضهم ذلك فأحببتُ أن أدعم ذيكم الرسالة بأختها فتشد من عضدها وتكشف غامضها .. والله من وراء القصد
ثانياً : التحقيق في المسألة :
وأقسم هذه اللائحة من المقال إلى قسمينِ اثنينِ هما : التحقيق في مسألة هل يُعلم أم لايعلم ، والتحقيق في مسألة هل هو علم أم فراسة
أولاً : هل يُعلم ويتعلم أم لا ؟
غاية مافي هذه المسألة أنهم اختلفوا فيها فمنهم من يقول : لاتدرس وأنه الهام يقذفه الله في قلب المفسر ، ومنهم من يقول : بل هو علمٌ يدرس ويؤجر على تعلمه وتعليمه ، وقد اخترتُ لنفسي ترجيح هذا القول مع كامل الاجلال والتقدير لأصحاب القول الآخر من أهل العلم ، ومن العلماء الذين يرجحون القول بإمكانية تدريسه
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم ( 30/15 ) :
وفي الحديث الحث على علم الرؤيا والسؤال عنها وتأويلها اهـ
وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد ( 1/ 313 ) :
وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يسئل عنها لتقص عليه ويعبرها ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها اهـ
وقال الإمام ابن سعد رحمه الله في الطبقات 5/ 124 :
قال محمد بن عمر : وكان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا وكان أخذ عن أسماء وأخذته أسماء عن أبيها اهـ
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/615-616) عند ذكر أحد شيوخه المبرزين في التعبير وهو أبو العباس المقدسي المعروف بالشهاب العابر :
وهذه كانت حال شيخنا هذا ، ورسوخه في علم التعبير ، وسمعتُ عليهِ عدة أجزاء ، ولم يتفق لي قراءةُ هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له رحمه الله تعالى اهـ
وقال الإمام الشهاب العابر رحمه الله في مقدمة كتابه « البدر المنير » ( ص / 1 ) :
وبعد : فإنه ندبني جماعة إلى جمع مقدمة في علم المنام فأجبتهم إلى ذلك ، ولقبتها بـ  البدر المنير في علم التعبير ، وجعلتها بلغةً للمبتدي ، وبلاغاً للمنتهي ، ينتفع بها المتعلمون ، ويرتفع بها المعلمون اهـ
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 12/ 437 ) :
وفيه الحث على تعليم علم الرؤيا وعلى تعبيرها وترك إغفال السؤال عنه اهـ
وقال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره ( 1/407 ) :
علم التعبير من العلوم الشرعية ويثاب الانسان على تعلمه وتعليمه وتعبير المرائي داخل في الفتوى لقوله للفتيين : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } وقال الملك : { أفتوني في رؤياي }وقال الفتى ليوسف : { أفتنا في سبع بقرات ...} فلايجوز الاقدام على تعبير الرؤيا من غير علم .. اهـ
وقال العلامة عبدالكريم الخضير حفظه الله كما في المصباح المنير في رموز التعبير ( صـ  26 ) عندما سئل هل هو علم مرئي يمكن ضبط قواعده :
فقال : نعم من الممكن من خلال التدريب وهو علم يقبل المران ولاشك أن التعبير له شأن وهو مما عرف به يوسف عليه الصلاة والسلام أما تأمل أولئك الذين يقولون بأن علم الرؤيا ليس بعلم يتعلم من كلام العلماء المتقدمين والمتأخرين ولو سألنا أحدهم وقلنا له هل يكون الفقيه فقيها بدون علم وتعلم ؟ وهل يكون القاضي قاضيا بدون علم وتعلم ؟ وهل يكون الطبيب طبيبا بدون علم وتعلم ؟ فما ظنك سوف يقول ؟ بلاشك سوف يقول : لا ، فسنقول له : فكذلك المعبر من باب أولى لابد له من تعلم هذا العلم اهـ
وقال العلامة ابن جبرين رحمه الله في تقديمه للقواعد الحسنى للشيخ ااسدحان ( ضـ 2 ) :
ووضح الكثير مما يتعلق بالرؤيا والاحلام وكيف تعبر وما وقع للمعبرين من الموافقات وطرق معرفتهم بتعبيرها اهـ
وغيرهم كثر ، فكل من ألف كتاباً من العلماء القداما إنما ألفه ليستشفى منه الأصول والفصول والقواعد والفوائد في هذا الفن وليس للاستعراض وإبراز المهارات ، بيدَ أنه يحذر أن ينقل تفسيرهم لمرائي عصرنا ؛ لأن الرؤيا تختلف باختلاف ضوابط التنزيل وهي ثلاثة ضوابط ذكرتها في رسالتي « آلات وأدوات تفسير المنامات »
ومع كوني من المنتصرين لهذا القول إلا أني لا أبخس القول الآخر حقه من الاجتهاد والله يتولى العباد !!

ثانياً : هل يُعلم ويتعلم أم لا ؟
وهذه المسألة لاتقل أهمية عن ذي قبلها وهي على نفس الحال والمنوال خلافية لا اتفاقية وخلاصة أقوال الناس فيها أربعة أقوال :
القول الأول : أنه علم محض لا علاقة للفراسة فيه ، وهذا بعيد عن الصواب
القول الثاني : أنه فراسة محضة لا علاقة للعلم فيه ، وهذا بعيد أيضاً
القول الثالث : أنه علم وفراسة على خلاف أيهما الأصل وأيهما الفرع
ولاشك عندي أن التفسير علم والفراسة باب من أبوابه ومهم من مهماته لقوله تعالى : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } أي : علامات للمتفرسين ، والعلامات تكسب العلم ، وعليه فتفسير الأحلام علم وفراسة ولأنه ليس كل علم فراسة ولكن كل فراسة علم جعلنا العلم أصل والفراسة فرع له ، كما في قصة تعبير ابن سيرين للرجلين الذين رأيا أنهما يؤذنان فأول لأحدهما أنه يسرق والآخر منهما أنه يحج مع أن الرؤيا واحدة !! وسبب الفرق بينهما أنه تفرس في سيماهما فأول لمن توسم فيه سيما الصلاح قوله تعالى : { وأذن في الناس بالحج } ولمن توسم فيه سيما السوء قوله تعالى : { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون }
فكان تفسيره علم مأخوذ من الآيتين وتفريقه بين الاثنين فراسة مأخوذة من التوسم في سيماهما !! وأما ما يقذفه الله في قلب المعبر فهذا إلهام والالهام ليس فراسة بل هو حديث القلب ، وهو توفيق من الله تعالى للعباد
القول الرابع : أن التفسير من خصوصيات يوسف عليه الصلاة والسلام فقط ، ومن سواه فكذب وشعوذة
وأصحاب هذا القول لعلهم يستدلون له بقوله تعالى : { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث } ففسروا الاجتباء بالاختصاص وهذا وارد إلا أنه لايفيد الحصر ؛ فإن الله تعالى يختص بالنعمة الفرد والجماعة وانظر لقوله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس } مع أن غيره أيضا يجيد صناعة الملبوسات ولكن حسب المعلم تكون القدرات فهو أفضل من غيره بالصناعة ؛ لأن الذي علمه هو الله ، وهكذا يوسف أفضل من غيره في التفسير لأن الذي علمه هو الله
وأما وصف هذا العلم بالشعوذة فهو جهل كبير وشر مستطير وليس هذا محل البسط في الرد عليه ، ويكفينا أن أصحاب هذا القول ليسوا من أهل العلم في الأساس

مسألة : وماذا عن ظهور براعة بعض الجهال الأميين في التفسير ؟
الجواب : لذلك عدة احتمالات
الاحتمال الأول : عن طريق الالهام :
وهذا كرامة من الله تعالى حيث يقذف التعبير في روع المعبر فيوفق لاصابة الهدف ، وصدور ذلك من جاهل لايلزم أنه لايعلم وإلا فلنترك كل العلوم ولننتظر الالهام فيها !!
الاحتمال الثاني : عن طريق الاقتصاد :
وسبق أن المقتصد هو الذي يجيد بعض أصول التعبير المكتسبة من تجارب الحياة ومعرفة أحوال الناس ، وهذا داخل في العلم الذي يقدر عليه حتى العامي الذي لايكتب ولايقرأ المكتوب ، ولكنها نظرة مقتصدة لبعض الأصول دون بقيتها التي لاينالها إلا بالعلم

الاحتمال الثالث : عن طريق التلقي :
وأقصد به عن طريق الجن سواء عن طريق الإستعانة أو الإعانة وربما كان ممسوساً فتلقي عليه الجن خواطر ايحائية في تعبير المرائي وهو يشعر أو لايشعر ، ولهذا تجد أغلب من يتقنون هذا الفن دون تلقيه عن طريق العلم لهم علاقة بعلاج المرضى وربما كان هو مريضاً قبل ذلك !! وقلنا : أغلب ؛ ليخرج بذلك البعض وهم الأقل ، وهم أقوام أعطاهم الله تعالى من الالهام والحدس مالم يعطه غيرهم وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء

 ثالثاً : خلاصة الموضوع :
الخلاصة أن التعبير علم والفراسة باب من أبوابه وأنه يمكن تعلمه وتعليمه وعجبتُ ممن يصفونه بالإلهام وينكرون إمكانية تعليمه ونقول لهم : لو كان كما تقولون فإن الإلهام لاينافي إمكانية التعليم ؛ فإن الذي ألهمه التعبير قد يلهمه تدريسه أيضًا فكيف وهو علم ذو أصول وفصول ، وقواعد وفوائد ، وأساس ومراس { وما كان عطاء ربك محظورا } وقد رأيت أن الكثير من مفسري الأحلام الذين ينكرون إمكانية تَعلم هذا الفن ؛ دعاهم لذلك خشية أن ينافسهم فيه غيرهم ثم يظهر بعد ذلك جهلهم !! والله المستعان على ما يصفون

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً


كتبه أخوكم
أبو العباس أنور الرفاعي
anwar2014w@